کد مطلب: 6116
تاریخ درج مطلب: شنبه ۱۸ خرداد ۱۳۹۸
برگى از زندگى سيد جمال الدين اسدآبادى نوشته: علامه شيخ على كاشف الغطاء (م 1306) تصحيح: رضا مختارى
علامه شيخ على كاشف الغطاء (ح 1268 ـ 1350) پدر بزرگوار شيخ محمدحسين و شيخ احمد كاشف الغطاء از عالمان نامدار، پرتلاش و پركار خاندان علمى و معروف كاشف الغطاست. يكى از آثار ارزشمند اين مرد كوشا كه منبع بسيارى از كتابها و تحقيقات پس از اوست كتاب گرانسنگ و ارزشمند الحصون المنيعة في طبقات الشيعة در ده جلد است.

علامه شيخ على كاشف الغطاء (ح 1268 ـ 1350) پدر بزرگوار شيخ محمدحسين و شيخ احمد كاشف الغطاء از عالمان نامدار، پرتلاش و پركار خاندان علمى و معروف كاشف الغطاست. يكى از آثار ارزشمند اين مرد كوشا كه منبع بسيارى از كتابها و تحقيقات پس از اوست كتاب گرانسنگ و ارزشمند الحصون المنيعة في طبقات الشيعة در ده جلد است. شيخ آقا بزرگ تهرانى درباره اين اثر گويد:

الحصون المنيعة في طبقات الشيعة، للشيخ علی ابن الشيخ محمد رضا... مؤسّس المكتبة التي هي أنفس مكتبات النجف بل العراق اليوم... والحصون  المنيعة هذا في عشر مجلّدات بخطّه، وهي نسخة الأصل المسوّدة، و يزيد كل مجلّد على خمسين ألف بيت، جمع فيه العلماء والشعراء والأطبّاء و سائر الأعاظم من الشيعة بغير ترتيب، و بما أنّها النسخة الأصلية تحتاج إلى الترتيب والتهذيب و التنقيح بإسقاط المكرّرات الكثيرة وإصلاح ما وقع فيها من سبق القلم أو السهو والنسيان.[1]

حصون منيعة تاكنون چاپ نشده و نسخه اصل آن به خط مؤلّف در كتابخانه علامه محمد حسين كاشف الغطاء در نجف اشرف نگه دارى مى‏شود.

مؤلّف در اين كتاب سرگذشت سيد جمال الدين اسدآبادى را هم درج كرده وچون وى از كسانى است كه سيد را درك كرده و در آستانه تركيه در اواخر عمر مدتى در حضور وی بوده است، نوشته او اهميت خاصى پيدا مى‏كند. وى مى‏گويد:

فرکب البحر ودخل إسلامبول، وأنا یومئذٍ فیها... فحين ملاقاتي له تلقّاني بالرحب والانبساط فحصلت الأُلفة والمودَّة بيننا فصرتُ أغلب الأيّام أجتمع به ونتخاوض الحديث في كلّ فنّ و هو یحترمني غاية الاحترام.

فوجدته بعد ما اختبرتُه سیّداً شهماً غیوراً.

و من جملتهم آقا رضا الکرماني کان عنده في إسلامبول، شاهدتُه عنده في داره و هو قاتل الناصر الدین شاه لأنّي سمعتُ منه قائلاً ... .

... ثمّ إنّي فارقتُه ورجعتُ إلی العراق، وبعد رجوعي بمدة قلیلة جاء خبر وفاته بداء السرطان وقیل بغیره في سنة 1314.

...غیرما تصفّحه الحقیر في القسطنطنیة من أفعاله و أقواله الدالینِ علی ذلک... .

وى در اين سرگذشت عمده سخن جرجى زيدان در كتاب مشاهيرالشرق را نقل و قسمتى از آن را نقد مى‏كند. کاشف الغطاء در نقد سخن جرجی زیدان تصریح می کند که: «هو من أسد آباد همدان وإنّه إیرانی عجمي وشیعي اثني عشري، إمامي المذهب...»، «...کان من نوادر الدهر وأفراد الزمان وفي انقضاء قرون کثیرة یلد الدهر بمثله أم لم یلد» در عین حال می گوید: «أنّه کان موحِّداً صرفاً لا یتدیّن بدین و قد فهمت من مطاوي کلماته أنّه لا علی مذهب الشیعة ولا علی مذهب السنّة». و شاید به دلیل اینگونه تهافتهاست که شیخ آقا بزرگ گفته اند حصون منیعه نیازمند تنقیح و تهذیب است چون نسخه فعلی پیش نویس کتاب است.

در سفرى به نجف اشرف در فروردين ماه امسال به دعوت دانشگاه كوفه براى شركت در كنگره سيدهبة‏الدين شهرستانى در خدمت بعضى از فضلا و دوستان از جمله حضرت حجة الاسلام جناب مستطاب آقاى سيد هادى­خسروشاهى بودم. روزى به ايشان پيشنهاد كردم كه با هم به كتابخانه كاشف الغطاء برويم. ضمن بازديد از مخطوطات كتابخانه، بنده كه از قبل مى‏دانستم در حصون منيعه سرگذشت سيد هست، اين نكته را به ايشان يادآورى كردم و با پيگيرى و سماجت جناب آقاى خسروشاهى، شيخ امير فرزند برومند شيخ شريف كاشف الغطاء، تصويرى از صفحات سرگذشت سيد در حصون منيعه را در اختيار ما نهاد که با زحمت تصحیح شد و در ادامه ملاحظه مى‏كنيد.

در اينجا از جناب مستطاب شيخ امير فرزند شيخ شريف كاشف الغطاء براى­ در اختيار نهادن تصويرى از اين صفحات، و حضرت حجة الاسلام سيد هادى خسروشاهى كه اصرار ايشان باعث شد در همان سفر موفق به اخذ تصوير شويم سپاسگزارى مى‏كنم.


السيّد جمال الدين الأسدآبادي الأصل ثمّ الهمداني الشهير بالأفغاني، كان­ حكيماً فيلسوفاً أديباً خطيباً سياسيّاً من رجال الدُّنيا، كان في مبدء أمره من طلبة­ العلوم الشرعيّة، حصّل جملة منها في قزوين ثمّ هاجر إلى العراق فمكثَ برهةً من
الزمان في كربلاء وقرأ جملة من سطوح الفقه والأُصول فيها، ثمّ رجع واختار الاشتغال في الحكمة والفلسفة وتحصيل الفنون الجديدة، فكمُلَ في ذلك كلّه. ثمّ­ اختار السياحة فساحَ في أفغانستان وهندوستان وبلوجستان وبادية نجد واليمن
والشام والعراق وإيران، ومضى إلى مصر فجعل يدرّس في الجامع الأزهر علوم الحكمة والفلسفة، وحضر عليه جمعٌ من أهالي مصر وغيرها، ومنهم الشيخ محمّد­ عبده مُفتي كلّ الدِّيار المصريّة، وباشر الجرائد المصريّة التي تُطبع في التهذيب والصحّة والاشتمال على البلاغة وذلك بواسطة قلمه وفكره، ثمّ بدا له وقيل اُخرج قهراً من مصر لإفساد بعض المفسِدين فمضى إلى اُروپا فتوطّن پاريس عاصمة­ دولة الفرانسة، فأخرج فيها جريدة من تقريره وتحريره مشتملة على المطالب العالية من الأُمور السياسيّة وغيرها: صفحة بالعربي وصفحة بالفرنساوي سمّاها بـ العروة الوثقى، وكان يتكلّم ويكتب بستّة ألسُن: العربي والفارسي والتركي والفرنساوي والهندي والأفغاني، ثمّ بحسب صدور أمر من بعض الدول القويّة في منع نشر هذه الجريدة فمنع عن نشرها، ففاضت أنفاسه وتكدّر خاطره من منع هذه الجريدة فخرج من پاريس راجعاً إلى طهران فتوقّف فيها بكمال العزّ والاحترام من الشاه والأعيان، ثمّ مضى إلى پطرسبوغ عاصمة مملكة الروسيّة فمكث فيها برهةً معزّزاً محترماً من [قِبَل] أرباب الدولة والامپراطور، وكلّفوه بتولية بعض المأموريّات اللائقة فأبى وامتنع من ذلك، ثمّ خرج منها يسيح في بلاد أُروپا وآسيا، وفي أثناء سياحته مرَّ بإسلامبول وبقيَ فيها مدّة وجعل يدرّس الحكمة والفلسفة في مسجد أيا صوفيّة، فعكفت عليه طلبة العلم منها ومن غيرها فأخذ بعض علمائها الحسد عليه فمضوا إلى شيخ الإسلام يومئذٍ حسن أفندي وذكروا له أنّه يقول: إنّ النبوّة والولاية صناعة كأحد الصنائع كلّ أحدٍ قابل أن يحصّلها ويصير نبيّاً أو وليّاً، فصدَّقَ بذلك وأمر بإخراجه، فأُخرِجَ منها قهراً، فرجع أيضاً إلى أُروپا، وفي أثناء تقلّباته في بلاد أُروپا صادف [ال ] سفرة الثالثة لبلاد الإفرنج من ناصر الدِّين شاه فاجتمع معه في بعضها فكلّفه بالمجيء إلى طهران.

وبعد رجوع الشاه إلى إيران جاء السيّد المرقوم إلى طهران فحصل له كمال الاعتناء والإكرام والاحترام من الشاه ووكلائه ووزرائه. وكان نزوله في دار الحاج محمّد حسن التاجر الإصفهاني أمين دار الضرب، فزاره جميع الأعيان والعلماء والأهالي من الأداني والأعالي، فاجتمع عليه بعض الأعيان وأرباب الديوان من الكارهين لدولة القاجار وزيادة ظلمهم وتعدّيهم، وسعوا معه في أن يقدموا على أن يجعلوا دولة إيران جمهوريّة كدولة الفرانسة وأميركا وجملة من الدول، وعزل الناصر الدِّين شاه عن السلطنة، فحسَّ الشاه فأمرَ بقبضه [ كذا: ظ بإلقاء القبض عليه] فهربَ واستجار بشاه عبد العظيم، وبأنواع الحيل أخرجوه منه وقيّدوه على الدابّة [ كذا، ظ دابّةٍ] عارية وسلّموه بيد عشرين أو أربعين من سوارية القزّاق على أن يوصلوه إلى خانقين خارج حدود إيران ويرجعوا.

فحملوه على أسوء حال يجدّون به السير بلا حلٍّ وترحال إلى أن وصلوا به إلى كرمانشاه في غاية النصب والعطب مع المرض فكاد أن يتلف في الطريق فاستنقذه من أيديهم حسام الملك الهمداني والي كرمانشاهان يومئذٍ وأبقاه عنده إلى أن
حسُنَ حاله، فسيّره إلى بغداد معزّزاً مكرّماً، فلمّا وصل إلى بغداد واجتمع مع واليها يومئذٍ سري پاشا في جامع الوزير فصدرت بعض المناظرات معه فأزعجه بالكلام فرأى عدم الصلاح ببقائه في بغداد فأمر بإخراجه من بغداد.

فأُركِبَ قهراً في المركب إلى نحو البصرة ولم يكن عنده يومئذٍ شيء من متاع الدُّنيا فنزل عند مفتيها يومئذٍ عبد الوهّاب أفندي الحجازي وواليها هدايت پاشا مير [؟ ] السابق في بغداد فمكثَ عنده تسعة أشهر وحصلت للوالي الرغبة فيه،
وبواسطته وواسطة المفتي جمعوا له مقدار تسعين ليرة عثمانيّة من أعيان البصرة.

فركب بحر فارس وتوجّه إلى لندن فحلَّ فيها فلم يزَل يشنّع على دولة إيران ويُظهِر ظلمها وعدوانها على الرعيّة ويتظلّم ممّا صنعوه معه في الطرق والأزقّة ومحلّ الاجتماعات باللغة الفرنساويّة وأغلبهم يفهمون كلامه، ونشر جريدة في
بيان معايب دولة إيران.

فلمّا سمع بذلك سلطاننا الأعظم السلطان عبد الحميد خان (خلّد اللّه‏ ملكه) وبلغه مقالات السيّد وقرئت له جرائده، حرّكته الغيرة الإسلاميّة وعظُمَ عليه افتضاح إحدى دول الإسلام بين دول النصارى مع اتّحاد الدولتين في اللّه‏، [ف] أمرَ بطلبه من لندن إلى إسلامبول مع الترغيبات الكلّية والتشويقات في حلوله بمقرّ السلطنة السنيّة، فركب البحر ودخل إسلامبول، وأنا يومئذٍ فيها، فورد على الشيخ أبي الهدى الرفاعي وكان بينهما كمال الاتّحاد وهو الذي كان مأموراً من السلطان في جلبه، فبقي عنده أيّاماً ثمّ طلب للحضور، فجلس بين يدي ذلك الملك الأعظم فأمر بنقله إلى المسافرخانه في محلّة نشان طاش فبقي فيها مدّة من الزمان فاجتمع عليه بعض المفسدين من المصريّين، فأفسدوا بين السيّد والشيخ «فدقَّ بينهما عِطْر مَنْشم»[2] وجعل كلّ منهما يسبّ الآخر ويكفّره، واتّصل الخبر إلى السلطان بذلك.

ثمّ إنّ السلطان أنعمَ عليه بدارٍ معتبرة جديدة البناء في محلّة نشان طاش مع جميع ما يحتاج إليها من الأفرشة والأسباب، وأنعمَ عليه بكالسكة مع خيلها لركوبه وعيّن له من المطبخ السلطاني طبلة لغذاء النهار وطبلة في الليل من الطعام
ووظّف له من صندوق المتقاعدين خمس وسبعين ليرة عثمانية في كلّ شهر وبقي رخيّ البال مُنعم الحال لم يزَل يحضر منزل حضرة الملك، وجعلت الناس من الأعيان والوزراء وسائر الخلق من كلّ فجٍّ يزورونه ويَفِدونَ عليه، ومن جملتهم
مؤلّف هذا المختصر، فحين ملاقاتي له تلقّاني بالرحب والانبساط، فحصلت الأُلفة والمودّة بيننا، فصرتُ أغلب الأيّام أجتمع معه ونتخاوض الحديث في كلّ فنّ وهو يحترمني غاية الاحترام.

وكان مجلسه يحتوي على الإيرانيّين والعراقيّين والمصريّين والشاميّين والترك والفرنساويّين، وهو يوفي بالإكرام ويُعطي بالاحترام حقّه، فوجدته بعدما اختبرته سيّداً شَهْماً غيوراً جسوراً جواداً عالي الهمّة يروم معالي الأُمور، منطقيّاً متكلِّماً، كان إذا تكلّم بكلّ لغة التي كان يعرفها كأنّه من أهل تلك اللغة بل من صميمها خاصّةً العربيّة إذا نطقَ بها كأنّه من أهل الحجاز أو بادية نجد، وبلَغَني عمّن شاهده في الإسكندريّة ومصر وهو يخطب في المحافل الرسميّة المجتمعة يفرغ ساعتين أو ثلاث عن كلامٍ فصيحٍ بليغٍ بلا تكرار ولا يتعلثم[3] في منطقه، وكان لهالاطّلاع الكامل في العلوم العربيّة والتاريخ والحديث والتفسير، وأمّا الكلام والحكمة والفلسفة فكان الفرد الأُستاذ الماهر فيهما، وكان يهتمّ ببعض العلوم الغريبة كالكيمياء والجفر وما شاكل ذلك.

وكان لا يرى للمال قدَراً، كلّ ما كان يصِل إليه يصرفه على الواردين والصادرين والمحتاجين حتّى أنّ الخمسة وسبعين ليرة الموظّفة له من السلطان في كلّ شهر كان يصرفها ولا يبقى منها شيء.

سوى أنّه كان موحّداً صِرفاً لا يتديّن بدين، وقد فهمتُ من مطاوي كلماته أنّه لا على مذهب الشيعة ولا على مذهب السنّة، وكان يباشر أهل الكتاب ولا يرى نجاستهم، ولم يتقيّد بالعبادات والديانات ولم يتزوّج في مدّة عمره، وكلّما كلّفه
السلطان بإعطاء سيرته له تكون عنده أبى وامتنع.

ولم يبرز له من المؤلّفات سوى رسالة فارسيّة في ردّ النيجريّة أي الطبيعيّين كتبها في الهند فترجمها باللغة العربيّة تلميذه الشيخ محمّد عبده وطُبعت في بيروت وقد ترجمه فيها، عندنا منها نسخة، ثمّ تُرجمت في اللغة التركيّة في إسلامبول.

ثمّ أفسدوا ما بينه وبين السلطان فانقطع عن الحضور وكلّما رامَ الخروج من إسلامبول فلم يتمكّن.

وكانت له جملة من المريدين كفدائية زماننا وزمان الحسن الصباح صاحب قلعة الموت، ومن جملتهم آقا رضا الكرماني كان عنده في إسلامبول شاهدتُه عنده في داره وهو قاتل الناصر الدِّين [كذا] شاه؛ لأنّي سمعت منه قائلاً: «لو بقي
من عمري يوماً واحداً[4] لازم أنتقم من ناصر الدِّين شاه جزاءً لما فعل معي» فانتقم له هذا الفدائي الذي وطّن نفسه على القتل.

وبالجملة إنّ هذا الرجل كان من نوادر الدهر وأفراد[5] الزمان وفي انقضاء قرون كثيرة يلد الدهر بمثله أم لم يلد، ولا يمكن إحصاء جميع حالاته، وفيما ذكرناه الكفاية وكم له من مقالات مفيدة نافعة مدروجة في جريدة حبل المتين وغيرها من
الجرائد ما يتعلّق بالسياسيّات وغيرها، رأيتها وقد جمعت وطبعت كالرسالة، وقد صوّر عكسه صاحب جريدة الهلال في مصر وغيره.

ثمّ إنّي فارقته ورجعت إلى العراق، وبعد رجوعي بمدّة قليلة جاء خبر وفاته بداء السرطان وقيل بغيره في سنة 1314، وقد بلغ عمره الستّين واحتفل احتفالاً تامّاً بجنازته ودفن في إسلامبول.

وقد شكّله المؤرِّخ المعاصر الفاضل الأديب جرجي زيدان المصري في كتابه مشاهير الشرق في ثلاث أماكن على صورته الساذجة وفي حال الخطابة وفي حالة المرض وكذا في جريدته الهلال وأطنب في ترجمته، فلا بأس بدرجها ملخّصةً ثمّ
نذكر ما نعلمه ووقفنا عليه، قال:

ولد سنة 1254 هجريّة وتوفّي سنة 1314 هجريّة... وبعد أن ذكر مقدّمة قال: ـ كما هو شأننا بفقيد الشرق الفيلسوف الخطيب السيّد جمال الدِّين الأفغاني رحمه اللّه‏ فقد نشأ قطباً من أقطاب الفلسفة وعاش ركناً من أركان السياسة ولكنّه مات ولم يتمّ عملاً ولا ألّف كتاباً، على أنّ ذلك لا يحطّ من مقامه، وقد رأينا أعظم فلاسفة اليونان سقراط مات ولم يدوّن شيئاً من كلامه ولكن تلامذته حفظوا فلسفته ودوّنوها فتوارثتها الأجيال خلفاً عن سلف، فعسى أن لا نحرم من مريدي الاُستاذ وتلامذته من يفعل مثل ذلك.[6]

ثمّ قال:

ترجمة حاله: هو السيّد محمّد جمال الدِّين بن السيّد صفتر (أقول: وأظنّها صفدر بالدال لفظة تركيّة يعني شاقّ الصفّ، وإنّما التحريف بالتاء من الطابع).

ولد في بيت شرف وعلم بقرية أسعد آباد من قرى كنر من أعمال كابل ببلاد الأفغان سنة 1254 (سنة 1839 مسيحيّة).[7]

يقول مؤلِّف هذا المختصر: والذي نعلمه نحن ووقفنا عليه ونُقِلَ إلينا متواتراً هو من أسد آباد همدان من توابعها من بلاد إيران وإنّه إيراني عجمي وشيعي اثنى عشري إماميّ المذهب، وكما قال هو من بيت شريف وطائفة جليلة في هذا المحل
وكان من بني أعمامه مقيمين [كذا] عندنا في النجف وبعضهم إلى يومنا موجودون في المحلّ المذكور، وهو أيضاً في مبادئ أمره جاء إلى العراق وتوقّف برهةً من الزمان في كربلاء وحضر جملة من سطوح فقه الإماميّة على فضلاء الإماميّة في
البلدة المذكورة، ثمّ ارتحل عنها واختار قراءة الحكمة وآثرَ السياحة في البلاد على الإقامة في محلّ واحد، وإنّما لكثرة سياحته في بلاد أهل السنّة والجماعة ـ والتقيّة من أقوى عُرى مذهب الشيعة ـ صنع هذا الانتساب إلى الأفغان والاتّصال
بمذهب التسنّن تقيّةً حتّى إذا مرّ لِسياحته بالأفغان والبلوجستان واليمن ونجد والحجاز وهندوستان ومصر وتركستان يكون مأموناً على نفسه بهذه النسبة وينال مقاصده، ولنا على ذلك جملة من الأدلّة والبراهين يطول الكلام بشرحها، ولو لم
يكن إلاّ سعيه التامّ في حصول الحريّة لأهالي إيران وطلب الجمهوريّة في دولتها لكونها وطنه الأصلي وإحساس ذلك منه شاه إيران، وبعد طلبه إلى إيران وإعزازه وإكرامه له فعل معه ما فعل كما ذكره المترجِم، لكفى بذلك دليلاً وأقوى شاهداً على ما ذكرناه غير ما تصفّحه الحقير في القسطنطينيّة من أفعاله وأقواله الدالّين على ذلك، وما ذكرناه لا شكّ فيه عند قاطبة أهالي إيران، وصاحب الدار أدرى بمَن فيها، ولا أُنكر ما ذكره المترجِم فيما وقع له في أفغانستان من الأشياء التي ذكرها،
ولعلّها في أيّام سياحته وإقامته بها كما وقع له في باقي الأصقاع التي مرّ فيها من الاتّصال برجالها السياسيّين وجرى عليه ما جرى.

ثمّ قال:

ويتّصل نسبه بالسيّد علي الترمذي المحدّث المشهور ويرتقي إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم‏السلام، وآل هذا البيت عشيرة كبيرة تُقيم في خطّة كنر، ولها منزلة عُليا في قلوب الأفغانيّين لحرمة نسبها. وكانت تملك جزءً من أرض الأفغان حتّى سلب الملك منها دوست محمّد خان جدّ الأمير عبد الرحمن وأمر بنقل والد السيّد جمال الدين وبعض أعمامه إلى مدينة كابل، وجمال الدِّين لا يزال في الثانية من عمره، فعني والده في تربيته وتثقيفه فتلقّى مبادئ العلوم العربيّة والتاريخ وعلوم
الشريعة من تفسير وحديث وفقه واُصول وكلام وتصوّف والعلوم العقليّة من منطق وحكمة عمليّة سياسيّة ومنزليّة وتهذيبيّة وحكمة نظريّة طبيعيّة وإلهيّة والعلوم الرياضيّة من حساب وهندسة وجبر وهيئة أفلاك ونظريّات الطبّ والتشريح، وكانت لوائح[8] النجابة والذكاء ظاهرةً فيه منذ نعومة أظفاره. فأتمَّ هذا كلّه وهو في الثامنة عشرة من عمره.

ثمّ عرض له سفر إلى بلاد الهند فأقام بها سنة وبضعة أشهر ينظر في بعض العلوم الرياضيّة على الطريقة الإفرنجيّة الحديثة. وقدِم بعد ذلك إلى الأقطار الحجازيّة لأداء فريضة الحجّ فقضى سنة ينتقل من بلدٍ إلى آخر حتّى وافى مكّة المشرّفة سنة 1273 فوقف على كثيرٍ من عادات الأُمم التي مرّ بها في سياحته.

ثمّ رجع إلى بلاده وانتظم في سلك رجال الحكومة على عهد الأمير دوست محمّد خان المتقدّم ذِكره، ولمّا زحف هذا الأمير إلى هراة ليفتحها ويملكها على سلطان أحمد شاه صهره وابن عمّه سار السيّد جمال الدِّين معه في جيشه ولازمَهُ مدّة الحصار إلى أن توفّي الأمير وفُتحت المدينة بعد معاناة الحصر زمناً طويلاً. وتقلّد الإمارة وليّ عهدها شير علي خان سنة 1280 وأشار عليه وزيره محمّد رفيق خان أن يقبض على إخوته ويعتقلهم، فإن لم يفعل سعوا بالناس إلى الفتنة وألبّوهم للفساد طلباً للاستبداد بالإمارة، وكان في جيش هراة من إخوة الأمير ثلاثة محمّد أعظم ومحمّد أسلم ومحمّد أمين، فانتصر السيّد جمال الدِّين لمحمّد أعظم، فلمّا أحسّوا بتدبير الأمير ومشورة الوزير أسرعوا إلى الفرار وتفرّقوا في الولايات فذهب كلٌّ منهم إلى ولايته التي كان يليها من قِبَل أبيه وطاشت بهم الفتن واشتعلت نيران الحروب الداخليّة. وبعد محاولات عنيفة عظُم أمر محمّد أعظم وابن أخيه عبد الرحمان وتغلّبا على عاصمة المملكة وأنقذا محمّد أفضل والد عبد الرحمن من سجن قزنة وسمّياه أميراً على أفغانستان ثمّ أدركه الموت بعد سنة وقام على الإمارة بعده شقيقه محمّد أعظم خان فارتفعت منزلة جمال الدين عنده فأحلّه محلّ الوزير
الأوّل وعظمت ثقته به فكان يلجأ لرأيه في العظائم وما دونها وكادت تخلص حكومة الأفغان لمحمّد أعظم بتدبير السيّد جمال الدين لولا سوء ظنّ الأمير بالأغلب من ذوي قرابته ممّا حمله على تفويض مهمّات الأعمال إلى أبنائه الأحداث وهم خِلْو من التجربة عُراة من الحنكة، فساق الطيش أحدهم وكان حاكماً في قندهار على منازلة عمّه شير علي خان في هراة ولم يكن له من الملك سواها وظنّ الفتى أنّه يظفر فينال عند أبيه حظوة فيرفعه على سائر إخوته، فلمّا تلاقى مع جيش عمّه دفعته الجرأة على الانفراد عن جيشه في مأتي جندي اخترق بها صفوف أعدائه فأوقع الرعب في قلوبهم وكادوا ينهزمون لولا ما التفت يعقوب خان قائد شير علي فوجد ذلك الغلام منقطعاً عن جيشه فكرَّ عليه وأخذه أسيراً فشتّت جند قندهار وقوى الأمل عند شير علي فحمل على قندهار واستولى عليها وعادت الحرب إلى شبابها وعضّد الإنگليز شير علي وبذلوا له قناطير من الذهب ففرّقها في الرؤساء والعاملين لمحمّد أعظم فبيعت أمانات ونقضت عهود وجدّدت خيانات، وبعد حروب هائلة تغلّب شير علي وانهزم محمّد أعظم وابن أخيه عبد الرحمن فذهب عبد الرحمن إلى بخارى، وذهب محمّد أعظم إلى بلاد إيران ومات بعد أشهر في مدينة نيشابور.

أمّا السيّد جمال الدين فبقي في كابل لم يمسسه الأمير بسوء احتراماً لعشيرته وخوف انتقاض العامّة عليه حميّةً لآل البيت النبوي، إلاّ أنّه لم ينصرف عن الاحتيال للغدر به والانتقام منه بوجه يلتبس على الناس حقّه بباطله، ولهذا رأى السيّد جمال الدين خيراً له أن يُفارق بلاد الأفغان، فاستأذن للحجّ فأذن له على شرط أن لايمرّ ببلاد إيران كي لا يلتقي فيها بمحمّد أعظم، وكان لم يمُت بعدُ، فارتحل على طريق الهند سنة 1285 بعد هزيمة محمّد أعظم بثلاثة أشهر. فلمّا وصل إلى التخوم الهنديّة تلقّته حكومة الهند بحفاوةٍ وإجلال إلاّ أنّها لم تسمح له بطول الإقامة في بلادها ولا أذِنَت للعلماء في الاجتماع عليه إلاّ تحت مراقبة رجالها، فلم يقم هناك إلاّ شهراً. ثمّ سيّرتهُ من سواحل الهند في أحد مراكبها إلى السويس فجاء مصر وأقام بها نحو أربعين يوماً تردّد فيها على الجامع الأزهر وخالطه كثير من طلبة العلم السوريّين ومالوا إليه كلّ الميل وسألوه أن يقرأ لهم شرح الاظهار فقرأ لهم بعضاً منه في بيته ثمّ تحوّل عن الحجاز عزمه وتعجّل بالسفر إلى الآستانة.

وبعد أيّام من وصوله الآستانة قابل الصدر الأعظم عالي باشا فنزل منه منزلة الكرامة وعرف له الصدر فضله وأقبلَ عليه بما لم يسبق لمثله وهو مع ذلك بزيّه الأفغاني من القباء والكساء والعمامة العجراء وحوّمت عليه لفضله قلوب الاُمراء والوزراء وعلا ذِكره بينهم وتناقلوا الثناء على علمه وأدبه وهو غريب عن أزيائهم ولغتهم وعاداتهم ولم تمض ستّة أشهر حتّى سُمّي عضواً في مجلس المعارف فأدّى حقّ الاستقامة في آرائه ولكنّه أشار إلى طرق لتعميم المعارف لم يوافقه عليها رفقاؤه وبينها ما ساء شيخ الإسلام إذ ذاك لأنّها كانت تمسّ شيئاً من رزقه فأرصد له العنت حتّى كان شهر رمضان سنة 1287 فرغب إليه مدير دار الفنون أن يُلقي فيها خطاباً يحثّ على الصناعات فاعتذر إليه بضعفه في اللغة التركيّة فألحَّ عليه فأنشأ خطاباً طويلاً كتبه قبل إلقائه وعرضه على نخبة من أصحاب المناصب العالية فاستحسنوه.

فلمّا كان اليوم المعيّن لاستماع الخطاب تسارع الناس إلى دار الفنون واحتفل له جمٌّ غفير من رجال الحكومة وأعيان أهل العلم وأرباب الجرائد وحضر في الجمع معظم الوزراء، فصعد السيّد جمال الدين على منبر الخطابة وألقى ما كان أعدّه ببلاغةٍ سحَرَت عقول السامعين.

فأنكر مشايخ العلم شيئاً من آرائه، واتّصل الأمر بشيخ الإسلام وكان متغيّراً عليه كما علمت فالتمس من الدولة إبعاده عن الآستانة، فصدرَ له الأمر بالجلاء عنها بضعة أشهر حتّى تسكن الخواطر ويهدأ الاضطراب ثمّ يعود إن شاء، ففارقها وحَمَلَهُ بعض من كان معه على التحوّل إلى مصر فجاء إليها في أوّل المحرّم سنة 1288.

قدِم السيّد جمال الدين إلى مصر على قصد التفرّج بما يراه من مناظرها ومظاهرها ولم تكن له عزيمة على الإقامة بها حتّى لاقى صاحب الدولة رياض پاشا فاستمالته مساعيه إلى المقام وأجرت عليه الحكومة راتباً مقداره ألف قِرْش مصري كلّ شهر نزلاً أكرمته به لا في مقابلة عمل. واهتدى إليه بعد الإقامة كثيرٌ من طلبة العلم واستوروا زنده فأورى واستفاضوا بحره ففاض درّاً وحملوه على التدريس فقرأ من الكتب العالية في فنون الكلام، الأعلى والحكمة النظريّة من طبيعيّة وعقليّة وفي علم الهيئة الفلكيّة وعلم التصوّف وعلم اُصول الفقه الإسلامي. وكانت مدرسته بيته فعظُمَ أمره في نفوس طلاّب العلوم واستجزلوا فوائد الأخذ عنه وأُعجبوا بعلمه وأدبه وانطلقت الألسن بالثناء عليه وانتشر صيته في الديار المصريّة، ثمّ وجّه عنايته لتمزيق حُجب الأوهام عن أنوار العقول فنشطت لذلك ألباب واستضاءت بصائر وحمل تلامذته على العمل في الكتابة وإنشاء الفصول الأدبيّة والحكميّة والدينيّة فاشتغلوا على نظره وبرعوا وتقدّم فنّ الكتابة في مصر بسعيه وكان القادرون على الإجادة في المواضع المختلفة قليلين.

فنبغ من تلامذته في القطر المصري كَتَبَة لا يُشقّ غبارهم ولا يوطأ مضمارهم وأغلبهم أحداث في السنّ شيوخ في الصناعة وما منهم إلاّ من أخذ عنه أو عن أحد تلامذته أو قلّد المتّصلين به. هذا ما حسده عليه أقوام واتّخذوا سبيلاً للطعن عليه من قراءته بعض الكتب الفلسفيّة أخذاً بقول جماعة من المتأخّرين في تحريم النظر فيها فتمكّنوا من نسبة ما أودعته كتب الفلاسفة إلى رأي هذا الرجل وأذاعوا ذلك بين العامّة، ثمّ أيّدهم أخلاط من الناس من مذاهب مختلفة، غير أنّ هذا كلّه لم يؤثّر في مقامه من نفوس العارفين بحاله.

وكان رحمه اللّه‏ على علمه وفضله ميّالاً إلى السياسة فنظر في حال مصر وما آلت إليه من التداخل الأجنبي فعلم أنْ لابدّ من تغيّر أحوالها وكان قد انتظم في سلك الجمعيّة الماسونيّة وتقدّم فيها حتّى صار من الرؤساء فأنشأ محفلاً وطنيّاً تابعاً للشرق الفرنساوي دعا إليه مريديه من العلماء والوجهاء فصار أعضاؤه نحواً من ثلاثمائة عدّاً وكان شديد الكره للدولة الانگليزيّة كما تقدّم من حاله معها في الهند وما كان من اعتدائهم على أبناء أبيه، فجهر بذلك غير مرّة ونشر فصولاً ناطقة به ترجموها إلى جرائد انگلترا واهتمّوا بها كثيراً حتّى تولّى المستر غلادستون نفسه أمر الجدال في موضوعها. فلمّا عظُم أمر محفله داخَلَ الخوف قنصل انگلترا فوشى به إلى الحكومة وبثّ الرقباء في المحفل فسعوا فيه فساداً. وفي خلال ذلك بلغت أحوال مصر نهاية الارتباك فصرّح بأُمور قوت حجّة الساعين وكان تولّى مصر المرحوم الخديوي السابق توفيق پاشا فأصدر أمره بإخراجه من القطر المصري هو وتابعه أبو تراب ففارق مصر إلى البلاد الهنديّة سنة 1296 وأقام بحيدر آباد الدكن وفيها كتب رسالته في نفي مذهب الدهريّين.

ولمّا كانت الحوادث العرابيّة بمصر دعي من حيدر آباد إلى كلكتة وألزمته حكومة الهند بالإقامة فيها حتّى انقضى أمر مصر وفثأت الحرب الانگليزيّة ثمّ أُبيح له الذهاب إلى أيّ بلد فاختار الشخوص إلى أُروپا، وأوّل مدينة نزلها مدينة لوندرا أقام بها أيّاماً قلائل ثمّ انتقل إلى باريس فوافاه إليها صديقه الشيخ محمّد عبده المصري وكانت في مصر جمعيّة وطنيّة اسمها جمعيّة العروة الوثقى، فكلّفته على بُعد الدار أن ينشئ جريدة تدعو المسلمين إلى الوحدة الإسلاميّة، فأنشأ العروة الوثقى وكلّف صديقه المشار إليه بتحريرها وكان لها وقع حَسن في العالم الإسلامي فنشر منها 18 عدداً ثمّ قامت الموانع دون استمرارها حيث أُقفلت أبواب الهند عنها وتشدّدت الحكومة الانگليزيّة في إساءة من يقرؤها.

وقضى جمال الدين في باريس ثلاث سنوات نشر في أثنائها مقالات في جرائدها تبحث في سياسة أُروپا[9] وانگلترا والدولة العلية ومصر، ترجمت جرائد انگلترا كثيراً منها وجرت له أبحاث فلسفيّة مع الفيلسوف الفرنساوي رينان في العلم والإسلام، فشهد له هذا بسعة العلم وقوّة الحجّة، ثمّ شخص إلى لندرا بإيعاز اللورد شرشل واللورد [سا ] لبسرى ليسألاه عن رأيه في المهدي وظهوره إذ ذاك ثمّ عاد إلى فرنسا وتعرّف بكثيرين من علمائها وفلاسفتها فأحلّوه مكاناً عليّاً.

ثمّ عزم على نجد فاستقدمه شاه الفرس إذ ذاك المرحوم ناصر الدين شاه على لسان البرق ليراه فسار قاصداً طهران فالتقى في إصفهان بالأمير ظلّ السلطان فلاقى منه إكراماً حتّى إذا وصل طهران استقبله الشاه أحسن استقبالٍ وأكثر من الثناء عليه حيثما ذكره حتّى في بلاطه وبين أولاده وأهله وولاّه نظارة الحربيّة على أن يرقّيه بعد قليل إلى منصب الصدارة.

وكان جمال الدين قد درس أخلاق الأُمم وعرف تواريخ الدول وتدبّر أحوال السياسة على اختلاف الأمكنة والأزمنة مع بلاغته وقوّة برهانه فنال لدى أُمراء الفرس وعلمائها منزلة قلَّ أن ينالها غيره في مثل حاله فأصبح منزله حلقة علم يأُمُّها سُراة البلاد ووجهاؤها يتسابقون إلى سماع حديثه فخامر الشاه ريبٌ من أمره مخافة أن يكون وراء ذلك ما يخشى منه على سلطانه فأبدى تغيّره عليه فأدرك جمال الدين ما في نفسه فاستأذنه في السفر لتبديل الهواء فأذِنَ له فسار إلى موسكو في روسيا فلاقاه أهلها بالتجلّة والإكرام لما سبق إلى مسامعهم من شهرته. ثمّ شخص إلى بطرسبورج وتعرّف بأعاظم رجالها من العلماء والسياسيّين ونشر في جرائدها مقالات ضافية في سياسة الأفغان والفرس والدولة العليّة والروسيّة والانگليزيّة كان لها دويٌّ شديد في جوّ السياسة.

واتّفق إذ ذاك فتح معرض پاريس سنة 1889 مسيحيّة فشخص جمال الدين إليها فالتقى بالشاه في مونيخ عاصمة بافارياعا ئداً من باريس فدعاه الشاه إلى مرافقته فأجاب الدعوةَ وسار في معيّته إلى فارس فلم يكد يصل طهران حتّى عاد الناس إلى الاجتماع به والانتفاع بعلمه، والشاه لا يرتاب من أمره كأنّ سياحته في أُوربا محت كثيراً من شكوكه فكان يقرّبه منه ويوسّطه في قضاء كثير من مهامّ حكومته ويستشيره في سَنّ القوانين ونحوها، فشقَّ ذلك على أصحاب النفوذ وخصوصاً صدر الأعظم فأسر إلى الشاه أنّ هذه القوانين وإن تكن لا تخلو من النفع فهي لاتوافق حال البلاد فضلاً عمّا ستؤول إليه من تحويل نفوذ الشاه إلى سواه، فأثّر ذلك في الشاه حتّى ظهر على وجهه فأحسَّ جمال الدين بالأمر فاستأذنه في المسير إلى بلدة شاه عبدالعظيم على [بُعد] عشرين كيلومتراً من طهران فأذِنَ له فتبعه جمٌّ غفير من العلماء والوجهاء وكان يخطب فيهم يحثّهم على إصلاح حكومتهم، فلم تمض  مانية أشهر حتّى ذاعت شهرته في وأقاصي بلاد الفرس وشاع عزمه على إصلاح إيران، فخاف ناصر الدين عاقبة ذلك فأنفذ إلى شاه عبدالعظيم خمسمائة فارساً قبضوا على جمال الدين وكان مريضاً فحملوه من فراشه وساقوه يخفره خمسون فارساً إلى حدود المملكة العثمانيّة، فعظم ذلك على مريديه في إيران فثاروا حتّى خاف الشاه على حياته.

أمّا جمال الدين فمكث في البصرة ريثما عادت إليه صحّته فتنخص إلى ندرا وقد عرفوه الانگليز من قبل فتلقّوه بالإكرام ودعوه إلى مجتمعاتهم السياسية وأنديتهم العلميّة ليروه ويسمعوا حديثه وكان أكثر كلامه معهم في بيان حال الشاه وتصرّفه في المملكة ما آلت إليه حالها في عهده مع حثّ حكومة الانگليز على السعي في خلعه وفيما هو في ذلك ورد عليه كتاب من المابين الهمايوني بواسطة رستم پاشا سفير الدولة العلية في لندرا إذ ذاك أن يقدِم إلى الآستانة فاعتذر بأنّه في شاغلٍ وقتي
لإصلاح بلاده. فورد عليه كتابٌ آخر وفيه ثناء وتحريض فأجاب الدعوة تلغرافيّاً على أن يتشرّف بمقابلة جلالة السلطان ثمّ يعود. فقدِمَ الآستانة سنة 1892 فطابت له فيها الإقامة لما لاقاه من التفات الحضرة السلطانيّة وإكرام العلماء ورجال السياسة وما زال فيها معزّزاً مكرّماً وجيهاً محترماً حتّى داهمه السرطان في فكّه أواخر سنة 1896 الماضي[10] وامتدّ إلى عنقه فتوفّاه اللّه‏ في 9 مارس سنة 1897 واحتفل بجنازته ودفنه في مدفن «شيخلر مزار لغي» قرب نشان طاش.

صفاته الشخصيّة: كان أسمر اللون بما يشبه أهل الحجاز، ربعه ممتلئ البُنية أسود العينين نافذ اللحظ جذّاب النظر مع قصر فيه فإذا قرأ أدنى الكتاب من عينيه ولكنّه لم يستخدم النظّارات، وكان خفيف العارضين مسترسل الشعر بجبّة وسراويلات سوداء تنطبق على الكاحلين وعمامة صغيرة بيضاء على زيّ علماء الآستانة.

طعامه: كان قانتاً قليل الطعام لا يتناوله إلاّ مرّة في النهار ويعتاض عمّا يفوته من ذلك بما يشربه من منقوع الشاي مراراً في اليوم. والعفّة في الطعام لازمة لمن يعمل أعمالاً عقليّة؛ لأنّ البطنة تُذهب الفطنة، وكان يدخّن نوعاً من السيگار الإفرنجي الجيّد، ولشدّة ولعه بالتدخين وعنايته في انتقاء السيگار لم يكن يركن إلى أحد من خدمه في ابتياعه فيبتاعه هو بنفسه.

مسكنه: كان يُقيم في أواخر أيّامه بقصر في نشان طاش بالآستانة، أنعم عليه به جلالة مولانا السلطان، وفيه الأثاث والرياش وعربة من الإصطبل العامر يجرّها جوادان، وأجرى عليه رزقاً مقداره خمس وسبعون ليرة عثمانيّة في الشهر، فكان قبل مرضه الأخير يقيم معظم النهار في منزله فإذا كان الأصيل ركب العربة لترويح النفس في منتزه كاغدخانه بضواحي الآستانة وكان كثير القيام لا ينام إلاّ الغلس إلى الضحى .

مجلسه وخطابه: كان أديب المجلس كثير الاحتفال[11] بزائريه على اختلاف طبقاتهم، ينهض لاستقبالهم ويخرج لوداعهم ولا يستنكف من زيارة أصغرهم على امتناعه من زيارة أكبرهم إذا ظنّ في زيارته تزلّفاً. وكان ذا عارضة وبلاغة لا يتكلّم إلاّ اللغة الفُصحى بعبارات واضحة جليّة. وإذا آنس من سامعه التباساً بسّط مراده بعبارة أوضح، فإذا كان السامع عامّيّاً تنازل إلى مخاطبته بلغة العامّة.

وكان خطيباً مصقعاً لم يقم في الشرق أخطب منه وكان قليل المزاح رزيناً كتوماً قد يخاطب عشرات من الناس في اليوم فيبحث مع كلّ منهم في موضوع يهمّه فإذا خرج جليسه كان خروجه آخر عهده بذلك الموضوع حتّى يعود هو إليه بشأنه.

أخلاقه: كان حرّ الضمير صادق اللهجة عفيف النفس رقيق الجانب وديعاً مع أنَفَة وعظمة، ثابت الجأش قد يُساق إلى القتل فيسير إليه سيرَ الشجاع إلى الظفر. وكان راغباً عن حطام الدنيا لا يذخر مالاً ولا يخاف عوزاً. وممّا رواه الأديب إسحاق إنّ جمال الدين لمّا اُبعدَ من مصر أُنزل في السويس خالي الجيب فأتاه السيّد النقادي قنصل إيران في ذلك الثغر ومعه نفرٌ من تجّار العجم قدّموا له مقداراً من المال على سبيل الهديّة أو القرض الحسن فردّه وقال لهم: «احفظوا المال فأنتم إليه أحوج؛ إنّ الليث لا يعدم فريسته حيثما ذهب» وكان مقداماً حاثّاً على الإقدام فلا يخرج جليسه من بين يديه إلاّ وقد قام في نفسه محرّض على العُلا منشّط على السعي في سبيلها، ولكنّه كان على فضله لا يخلو من حدّة المزاج ولعلّها كانت من أكبر الأسباب لما لاقاه من عواقب الوشاية.

عقله: كان ذكيّاً فطِناً حادّ الذهن سريع الملاحظة يكاد يكشف حُجب الضمائر ويهتك أسرار السرائر، دقيق النظر في المسائل العقليّة، قويّ الحجّة ذا نفوذ عجيب على جلسائه فلا يباحثه أحد في موضوع إلاّ شعر بانقياد إلى برهانه وربما لا يكون البرهان بحدّ ذاته مقنعاً. وكان مع ذلك قويّ الذاكرة حتّى قيل إنّه تعلّم اللغة الفرنساويّة أو بعضها وصار يقدر على الترجمة منها ويحفظ من مفرداتها شيئاً كثيراً في أقلّ من ثلاثة أشهر بلا أُستاذ إلاّ من علّمه حروف هجائها يومين.

علومه: كان واسع الاطّلاع في العلوم العقليّة والنقليّة وخصوصاً الفلسفة القديمة وفلسفة تاريخ الإسلام والتمدّن الإسلامي وسائر أحوال الإسلام، وكان يعرف اللغات الأفغانيّة والفارسيّة والعربيّة والتركيّة والفرنساويّة جيّداً، مع إلمامٍ باللغتين الإنگليزيّة والروسيّة. وكان كثير المطالعة لم يفته كتابٌ كُتِبَ في آداب الأُمم وفلسفة أخلاقهم إلاّ طالعه، وأكثر مطالعاته في اللغتين العربيّة والفارسيّة.

آماله وأعماله: يؤخذ من مجمل أحواله أنّ الغرض الذي كان يصوّب نحوه أعماله والمحور الذي كانت تدور عليه آماله توحيد كلمة الإسلام وجمع شتات المسلمين في سائر أقطار العالم في حوزةٍ واحدة إسلاميّة تحت ظلّ الخلافة العظمى، وقد بذل في هذا المسعى جهده وانقطع عن العالم من أجله فلم يتّخذ زوجة ولا التمس كسباً ولكنّه مع ذلك لم يتوفّق إلى ما أراده فقضى ولم يدوّن من بنات أفكاره إلاّ رسالة في نفي مذهب الدهريّين ورسائل متفرّقة في مواضيع مختلفة قد تقدّم ذكرها ولكنّه بثّ في نفوس أصدقائه ومُريديه روحاً حيّة حرّكت هممهم وحدّدت أقلامهم فانتفع الشرق وسوف ينتفع بأعمالهم[12].

انتهى ما عن مشاهير الشرق لجرجي زيدان ولكن للاعتراض مجال في جملة من مطالبه التي ذكرها في ترجمته.

 

في أحوال المؤلّف

مؤلّف هذا الكتاب أبو طالب ابن أبي تراب ابن قريش ابن أبي طالب ابن الحاج مير يونس الحسيني الخراساني القايني، واُمّه أيضاً من الذرّية العلويّة، فهو كريم الطرفين وشريف الأبوين وإن كان أكرم البريّة عند اللّه‏ أتقاهم، قال اللّه‏ تعالى:
«إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّه‏ِ أَتْقَاكُمْ»[13] ومَن تبع محمّداً وآله الطاهرين، قال تعالى: «فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي»[14]، وقال أيضاً: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ»[15]، وعن النبيّ  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: لا تأتوني بأنسابكم وأتوني بأعمالكم.

فالمستفاد منها كون المتّقي والتابع منهم وإن انفصل عنهم في النسب وعدم كون العاصي منهم وإن اتّصل بهم فيه، والسرّ فيه اتّصال الأوّل بهم في عالم الأنوار واقتطاعه من فاضل طينتهم الكاشف عنه المتابعة بحسن الاختيار وانفصال الثاني
عنهم فيه الشاهد عليه المعصية بسوئه، ولأجله خُلِقت الجنّة للمطيع وإن كان عبداً حبشيّاً، والجحيم للعاصي وإن كان سيّداً قرشيّاً كما في الخبر، فإنّه للتناسب والتجاذيب، قال اللّه‏ تعالى: «الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ
لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ
»[16].

 

 

 

إن افتخرت بآبائك مضوا سلفاً

 قالوا صدقت ولكن بئس ما ولدوا

 

پسر خويش باش اكر مردى

 كه دنام بدرجه مى كردى

 

كيرم پدر تو بود فاضل

 از فضل پدر تو را چه حاصل


ثمّ اعلم أنّ اللّه‏ تعالى شأنه قد منَّ عليَّ بلطفه العميم بتوفيق طلب العلوم العلوم الدينيّة بعد جهد والدي رحمه‏الله في التربية قبل المراهقة فسعيت فيه بالضرب في الأرض مقارب بلوغ الحلم على حسب الوِسع والطاقة واشتغلت على مشايخ كثيرة وجهابذة وفيرة في بلادٍ متفرّقة من ممالك متعدّدة ثلّة منهم من الأوّلين وقليلٌ من الآخرين جماعة فيهم كالطود العظيم والبحر العميم بيتهم مطاف كلّ صحيحٍ وسقيم وإن كان فوق كلّ ذي علمٍ عليم، وقد صدقني جمٌّ منهم في منح ربّ البريّة إيّاي الاجتهاد المطلق بمعنى المَلَكة يعني القوّة القريبة لفهم كلّ الأحكام الشرعيّة في عنفوان الشباب والحداثة مع أنّي كنت غير ملتمس منهم هذه المرحلة مبنيّة على التدليس والتلبيس لأغراض فاسدة كأغلب أبناء الزمان مع عدم كونهم واجدين لها بل لرؤوس المسائل الشرعيّة ولو تقليداً فكأنّهم كانوا بلا اختيار في عدو المركب في هذا المضمار وملهمين من جانب الملك الجبّار أعظمهم علماً لا سيّما الفقاهة وعملاً العالم العلاّمة والفاضل الفهّامة المحقّق المدقّق الحبر النحرير الذي لم يقدر على محصّل (تحمّل) ما حمله كلّ نقيرٍ وقطمير، شمس فلك الفقاهة الحاج شيخ محسن النجفي من آل خنصر جزاه اللّه‏ أفضل جزاء المحسنين يوم المحشر، وعبارته المنيفة بخطّه الشريف هذه:

بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم، الحمد للّه‏ ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّدٍ وآله الطاهرين وبعد، فليكن معلوماً لدى كافّة أهل الدِّين، ومفهوماً عند جميع المتشرّعين أنّ ولدنا الرّوحاني والعالِم الربّاني، فرع شجرة (الشجرة) النبويّة وغصن الدوحة العلويّة، المنزَّه عن المعايب، السامي إلى عالي المراتب، جناب السيّد أبي طالب أدام اللّه‏ تعالى أيّام إفاداته وأطال أوقات سعاداته، ممّن بزغت شمس فضله في العلوم، واستنار به دارس الرّسوم، وقد منحه الباري عزّ وجلّ القوّة القدسيّة والفطنة السنيّة والقريحة الوقّادة والبصيرة النقّادة، وجعله من الوسائط بينه وبين عباده وحجّة من حججه في بلاده حيث كمُلَت فيه القوّة العلميّة والعمليّة واجتمعت فيه الشرائط المعبّرة المرعيّة، فهو من أعاظم المجتهدين وأفاضل المحقّقين أدام اللّه‏ تعالى له التأييد ومدّه بالألطاف والتسديد بالنبيّ المختار وعترته الأطهار، وكتب بيده الجانية الفانية العبد الراجي عفو ربّه، الأقلّ محسن انتهى.

وإجازته كإجازة غيره موجودة بالفعل في وريقات ولطول غيرها وإن كانت هي مختصرة نافعة أريد أن أجمعها في رسالة مفردة في بيان أحوالي الفاترة إن لم يدركني الموت في هذه السنة التي لم أُصادف مثلها في عمري الذي بلغ بضع وخمسين ولم ينقله النقلة من المعمّرين فإنّها مع جمعها حوادث كثيرة وعام غلاء كلّ شيء بل محطّه لا سيما الحبوبات فقد بلغ قيمة مَنّ من البرّ بوزن صقعنا الذي منّ من الجديد السلطاني أضعافه بثلاثة وزيادة نصف منّ وعشرين مثقالاً إلى ريال ونصف في بعض محاله وإلى ريالين في بعض آخر منها بسكّة ظلّ الإله الممدود على أهل الثرى سلطان عصرنا ناصر الملّة والدِّين القاجار أنار اللّه‏ برهانه، ومَنّ الشعير والدخن إلى ريال، ومَنّ الاُرز إلى أزيد من ريالين فقد هلك كثيرٌ من الفقراء وأشرف عليه بعض الأغنياء ولا يخصّ بصقعنا بل يعمّ مطلق الخراسان والعراقين وإن كانت القيمة كوجودها مختلفة، خلّصنا اللّه‏ تعالى من هذه البليّة بحقّ محمّد وآله الكرام البررة، والسبب قطع الرحمة بقلّة المطر في بعض الأصقاع وعدمه في آخر، وممّا فضّلنا اللّه‏ تعالى به ومنَّ به علينا معاشر القاينيّن وفورها في السجستان وكون واليهما مظهر ألطاف سلطان سلاطين الدوران ناصر الدِّين والإيمان، قاطع لواء الكفر والطغيان، لا سيّما الطريقة الباب الذي هو أبواب النيران، مقرّب ساحة الملك المنّان، المصون في كنفه عن طوارق الحدثان، بالعدل والإحسان، الذي هو رأس التخلّق بأخلاق جناب الرحمن والتوسّل باُمناء السبحان في كلّ لمحةٍ وآن (بثئون) بشؤون لا يحدّه قلم الرقم ولسان البيان منها التشرّف بأعتابهم العليّة كسائر البريّة، الذي قلّما يصدر من سلاطين الأعصر والأزمان، ونظم اللؤلؤ في مدايحهم بأبلغ تبيان.

قال أدام اللّه‏ ظلّه على مفارق كافّة الأنام في مدح الإمام الهمام وليّ الملك العلاّم ووصيّ خير الأنام:

 

عيد مولود أمير المؤمنين شد

 عالم بالا وزير بن عنبرين شد

 

از براى مژده اين عبد حيدر

 جبرئيل از اسمان اندر زمين شد

 


ذو الفقار كج چنين كويد بعالم

 راستاز دست خدا شرع مبين شد

 

ناظم حتّى كاهش اسرافيل باشد

 حاجب درگاه جبريل امين شد


كما في ناسخ التواريخ الذي صنّفه اُعجوبة زمانه وأوفصح أوانه وبليغ أقرانه أبو الفضل والكمال، مربّي سلاطين العزّ والجلال، الميرزا محمّد تقي المستوفي الشهير بسپهر أيّده اللّه‏، اللَّهُمَّ انصُر به الدِّين ختماً كما نصرته به بدواً، واحفظ أطناب خيامه الشريفة متّصلةً ما دامت السماوات منطبقة، وصِل دولته العليّة بالدولة البهيّة القائميّة، وشخصاً واحداً أعلى فقرب الخاقان الأمير المنير الرشيد، طيّب الطينة، حسن العقيدة، صاحب الفطنة الوقّادة، وبعض العلوم الفضليّة، المبرّئ من المعايب
الدنيّة (الدينيّة) الغائص في بحر الولاية والبرائة كالنجوم، غوث الدِّين والملّة والطريقة، هادم أساس الكفر والزندقة، خصوصاً الضلالات وبدع البابيّة، بهمّةٍ عالية، غير متّقي فيه عن أعوانهم القويّة، الذين كلّ منهم أبو الباب، ونفس الذكرى
والشيطنة خالصاً لوجه اللّه‏، مؤدّ بالحقّ ما منّ، أعلى حضرت ظلّ اللّه‏ بوزنه وإن كان في حدّ ذاته في حيّز الامتناع لكونهم أعادي له لأجل نصره دين اللّه‏، وشوكته فيه بطول الباع، المروّج للشريعة البهيّة، مُعين العلماء والسادة والفقراء والعَجَزة،
حشمة الملك الأمير التومان، مير علم خان من حيّ خزاعة، لكونه أدام اللّه‏ أيّامه مائلاً إلى تيسير معاشنا في اليوم واللّيلة بل كلّ ساعة ولمحة، وإن ترقّى السعر فيه أيضاً ببلوغ منّ مِن البرّ بَدواً ونصفه ختماً بوزنه الذي أضعاف منّنا بثلاثة إلى ريال
ولم يتمكّن أغلبنا كنفسه أطال اللّه‏ بقائه من حمله منه (منّه) إلى صقعنا هذا، فإنّ سوانحي كثيرة تقتضي وضع رسالة مفردة في كثير منها عِبرة تامّة لاُولي البصارة، ولكن منحني الباري جلّ شأنه ما لم يمنّحه مثلي وأحسن بي ما لم يحسن به
شبهي.

ومنها أنّه مع كون خطئنا مجمع الفاقدين للآداب ورعايتها والسالكين مثل الاحشام والقبايل لكونه غير السواد وقصور الباع وقصر الذراع وكثرة الأعداء لا سيّما من السلك والأقرباء، وفّقني لنشر العلم والتربية والتأليف في علومٍ جمّة من
الكلام والاُصول والفقه والرِّجال والدراية وغيرها، فها أنا اُفصّل ما ألّفت فيها؛ رسالة في العقائد ألف بيت تقريباً، ومنها: الكواكب السبعة السيّارة الحاوية لسبع مسائل مهمّة في اُصول الفقه تبلغ اثنا عشر ألف بيتاً، ومنها: دروس الفقه في
المكاسب وإحياء الموات تقرُب أربعة عشر ألف بيت، ومنها: القضاء والشهادات والحجّ في مجلّد، حرّرتها في غاية الاختصار لشدّة الاحتياج، سبعة آلاف بيت تقريباً، ومنها: ينابيع الولاية في الفقه في أقسامها، تزيد على ثلاثة ألف أبيات،
ومنها: رسالة في الوقف، ألفان تريباً، ومنها: رسالة في صلاة المسافر، تقرُب (من) ألف بيت، ومنها: السؤال والجواب، ستّة آلاف بيت تقريباً، ومنها: مناسك الحجّ أصله لشيخنا العالم العلاّمة مرتضى الأنصاري الدزفولي النجفي طيّب اللّه‏ ثراه،
ومنها: الفوائد الغرويّة في الرِّجال والدراية، تقرب أربع ألف أبيات، ومنها: الدرّة الباهرة في طرق المعرفة الممكنة وأسرارها، ثمانمائة أبيات (بيت)، ومنها: اللؤلؤة الغالية، وهي هذه .

فحمداً ثمّ حمداً وشكراً بعد شكر، فإنّه في مثله ولمثلي ليس إلاّ من طوله وفضله وإن كان كلّ ما أعطى البريّة كذلك كما تقدّم.

ثمّ إنّي قد فرغت من تسويد هذه في يوم الاثنين من الاسبوع الثالث من الشهر الأوّل من السنة الثامنة من العشر التاسع من المائة الثالثة من الألف الثاني من الهجرة، على المهاجر ألف سلام وتحيّة في كلّ آنٍ ولحظة، والمرجوّ من اللّه‏ تعالى
أن يجعلها ذخراً لي ولوالديّ يوم الفاقة بمحمّدٍ وآله سادات البريّة، سلام اللّه‏ عليهم في كلّ غدوةٍ وعشيّة.

وقد وقع الفراغ من تسويد هذه النسخة الشريفة التي ينبغي أن تُكتب بالنور على جبهة الحور؛ في يوم السبت بعد الزوال بنصف ساعة تقريباً، ثالث عشر من شهر محرّم الحرام، سنة تسع وثمانين ومأتين بعد الألف من الهجرة النبويّة، وأنا الفقير الخاطئ أقلّ الطلبة محمّد حسين الهردنكي، اللَّهُمَّ اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب[17].



[1]الذريعه، ج 7، ص 24 ـ 25؛ نيز رك: نقباء البشر، ج 4، ص 1437 ـ 1441.

 

[2] في المعجم الوسيط، ص 924، «ن ش م»: «المَنْشَم: عِطْرٌ صعبُ الدقّ. وكانوا يقولون: «دَقُّوا بينَهم عِطْرَ مَنْشَم: اشتدّتِ الحربُ بينهم».

 

[3] كذا.

 

[4] كذا، والصواب: «يومٌ واحدٌ».

 

[5] في المعجم الوسيط، ص 680، «ف ر د»: «الفَردْ من الناس و غيرهم: المنقطع النظير الذي لا مثيل له في جَوْدته... ج: أفراد».

 

[6]مشاهير الشرق، ج 2، ص 71.

 

[7]مشاهير الشرق، ج 2، ص 71.

 

[8] في المصدر: «ملامح النجابة».

 

[9] في المصدر: «روسيا» بدل «أُروپا».

[10] كذا. وفي المصدر: «1896 م».

 

[11] في المصدر: «الاحتفاء» بدل «الاحتفال».

 

[12]مشاهير الشرق، ج ، ص 71 ـ 84.

 

[13]  سورة الحجرات: الآية 13 .

 

[14]  سورة إبراهيم: الآية 36 .

 

[15]  سورة هود: الآية 46 .

 

[16]  سورة النور: الآية 26 .

 

[17]  قد صار هذا الكتاب بتصرّف العبد المسكين الحقير الفقير الأثيم الخاطئ الجاني ابن المرحوم الغفور ملاّ محمّد حسن ابن عبد النعيم النراقي القائني الخراساني غفر اللّه‏ لهما ولجميع المؤمنين والمؤمنات، المسمّى بغلام حسين والمدعوّ بمقدّس، حرّرته في شهر شوّال المكرّم سنة 1380.

 

کتاب شیعه شماره اول


ارسال نظر
نام
ایمیل
متن
ارسال
تازه ها
پربازدید
مقالات مربرط
دورنمای درونمایۀ صحیفۀ سجادیه
رونمایی از کتاب زندگی‌نامه آیت‌الله العظمی بروجردی(ره)
🔰 انتشار کتاب احوال، افکار ، آثار علامه شیخ محمّد حسین کاشف الغطاء (م1373)
ضرورت گریزناپذیر اجازه ،شیخ آقابزرگ تهرانی |ترجمه عبدالحسین طالعی
برگى از زندگى سيد جمال الدين اسدآبادى نوشته: علامه شيخ على كاشف الغطاء (م 1306) تصحيح: رضا مختارى
زندگینامه خودنوشت آیة اللـه سیداحمد زنجانی (م ۱۳۹۳ ق)
عظمت مجلسى ره
امام سجاد علیه السلام و بینش صحیح اسلامی از منظر صحیفه سجادیه| دکتر احمد راسم النفیس ترجمه عبدالحسین طالعی
کتاب‌شناسی و نقد «الصحیح من سیره الامام علی علیه‌السلام»| حسین نعیم آبادی
اجازات شیخ نعمة غول العاملی المیسی | محمد سمامی حائری
احضار ارواح
چرا همه اسناد کافی حجت است؟| محمد فایزی
معرفی میراث فقهی رویت هلال
مؤيدات تحريف فهرست نجاشى درباره ابويعلى
بازمانده هایی از میراث کهن حدیثی امامیّه| امین حسین پوری
سیاست استعمار انگلیس در ایرانِ عصر ناصرى و راهبرد میرزای شیرازی در نهضت تحریم تنباکو | به کوشش: محمدصادق ابوالحسنی
استاد سید محمد فرزان به روایت حجة الاسلام آل طه (زید عزه) | محمد جواد شعبانی مفرد
حدیث النوروز في کلام العلّامة ابن فهد الحلّي |رضا المختاری
همایش ”مدرسه کلامی - فقهی شیعه در لکهنو“
تببین جایگاه علمی مرحوم علامه غفران مآب موسس مدرسه علمی شیعه در لکهنو
کتاب شیعه به منزل ۱۳ و ۱۴ رسید + فهرست مطالب
شیخ ابوالقاسم کبیر
مدیر مؤسسه کتابشناسی شیعه، در گفتگوی اختصاصی با شبکه اجتهاد
امام موسی صدر در ساحت علم و سیاست
یادی از آیت‌الله حاج شیخ «علی‌محمد ابن‌العلم» از علمای قرآنی خوزستان
رضا مختاری
دسترسی به متن کتابهای نرم افزار مکتبه اهل بیت علیهم السلام
عبد الحسین طالعی
جرعه ای از دریا جلد اول| مقالات آیت الله شبیری زنجانی
قربان مخدومی
ترجمه های صحیفۀ سجادیه به زبانهای غیر فارسی / سید امیر حسین اصغری
همایش بزرگداشت علامه سید هبة الدین شهرستانی در دانشگاه کوفه + تکمیلی
اجازه سید حسین موسوی خوانساری به میرزای قمی و تذکر یک اشتباه | محسن صادقی
علی اکبر زمانی نژاد
نامۀ آية‏اللّه‏ العظمى مرعشى نجفى به استاد سعيد نفيسى / عبد الحسین طالعی
یادداشتی به قلم آیت الله خویی درباره تشرف شیخ محمد شوشتری کوفی
آیت الله سید محمد نبوی عالم سرشناس دزفول دعوت حق را لبیک گفت
اسرار الصلاة شهيد ثانى رحمه‏الله | علی اکبر زمانی نژاد
فهرست نسخه های خطی کتابخانه مجلس شورای اسلامی 31 / از ابوالفضل حافظیان بابلی
احسان الله شكراللهی طالقانی
ابوالفضل حافظیان
بازدید مقام معظم رهبری از غرفه موسسه کتاب شناسی شیعه در نمایشگاه مشکات
مشروع ‏الموسوعة الكبيرة حول‏ التراث المكتوب للشيعة أوالوسيلة إلى تصانيف الشيعة
نامه هایی از و به مرحوم دکتر سید جعفر شهیدی / به مناسب سالروز درگذشت دکتر شهیدی
سندی منتشر نشده از آیت الله خویی در دفاع ازانقلاب اسلامی مربوط به 48 سال پیش
گزارشی از عملکرد 6 ماهه موسسه کتاب شناسی شیعه
تحقیق و انتشار نهج‌البلاغه از روی کُهَن‌ترین نسخه‌های موجود
به مناسبت در گذشت دکتر محمود فاضل
بزرگترین کتاب‌شناس قرن اخیر +تصاویر
سندی نو یافته به خط مبارک شهید ثانی (ره) درباره خاندان شهید اول و علمای جبل عامل
نمایش فایل های ویدئویی
ابتدای سایت | Back to top